آخر التطورات

........صحيفة "الرأي" تتوقف عن الصدور ورقياً لعدم تواصل حكومة التوافق الوطني مع وزارة الإعلام منذ توليها.
الرئيسية | آرشيف الزوايا | الثقافة | عبد الرحيم محمود.. قلم شاعر وبندقية ثائر

2014-12-04

6582

اعداد / اسلام بهار ، محمد النعيزي

الرأي- محمد النعيزي:

لم يكن النشاط الأدبي والشعري في فلسطين بمعزل عن الحياة السياسية والاجتماعية ‏والاقتصادية والظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني، حيث لعب الشعراء والأدباء ‏الفلسطينيين دوراً أدبياً وسياسياً ونضالياً بارزاً، وكان لهم بصمة واضحة وموقفاً واعياً تجاه ‏كافة القضايا الوطنية المفصلية التي مرت بها فلسطين على مختلف المراحل والعصور، حتى ‏أضحت دواوين الشعراء الفلسطينيين تمثل دائرة واسعة من دوائر والتوثيق والتحليل ‏والمتابعة لكافة تفاصيل القضية الفلسطينية، ومرصداً هاماً لكافة الظروف والملابسات وألوان ‏المعاناة التي مر بها الإنسان الفلسطيني، ويمكننا القول أن الشعر الفلسطيني نجح في أن ‏يجعل من نفسه مصدراً أساسياً من مصادر دراسة القضية الفلسطينية بكافة أبعادها ‏السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنضالية‎.‎

وفي هذا التقرير سنستعرض محطات مهمة من حياة شاعر من شعراء فلسطين الذين ‏حملوا البندقية والقلم للدفاع عن وطنهم السليب‎ ‎.

عبد الرحيم محمود هو مناضل وشاعر فلسطيني، ولد عام 1913 في قرية "عنبتا" قضاء ‏طولكرم في الضفة الغربية، وارتقى شهيداً عام 1948، لقب بـ "الشاعر الشهيد" وذلك قبل ‏أن يستشهد نسبة إلى قصيدته "الشهيد" ويقول مطلعها‏‎:‎

سأحمل روحي على راحتي .. وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق.. وإما ممات يغيظ العدى

ولد الشاعر في كنف أسرة مثقفة وملتزمة دينيا ووطنيا، وكان والده من أبرز شيوخ القرية مما ‏أثر إيجابيا على شخصية الطفل وغرس في نفسه حب الدين والعلم، وتوفى والده وهو لم ‏يبلغ السادسة فعاني من وجع اليتم منذ طفولته.‏

‏ تلقى دراسته الابتدائية في مدراس القرية، ودرس المرحلة الثانوية بمدرسة النجاح، حيث ‏تتلمذ على يد الشاعر الكبير إبراهيم طوقان ونخبة من الأساتذة المميزين الذي زرعوا فيه ‏حب العلم والمعرفة، والارتباط بالوطن والثورة ورفض الظلم والاستبداد، وبعد تخرجه تم تعينه ‏مدرسا للغة العربية وآدابها في نفس المدرسة.‏

وفي عام 1935 بدأ الشيخ عز الدين القسام كفاحه ضد الاحتلال الإنجليزي برفقة مجموعة ‏من الثوار وظلوا يناوشون الإنجليز حتى استشهِد القسام يوم 20 نوفمبر 1935، فأصبح ‏الشيخ القسام رمزاً لمقاومة الاحتلال وإرهاصا للثورة.‏

وفي العام 1936 اشتعلت الثورة الكبرى في ربوع فلسطين فقام الشاعر الشاب عبد الرحيم ‏محمود بتقديم استقالته من مدرسة النجاح وانخرط في صفوف الثوار ونذر نفسه فداءً ‏للوطن، واستمر يكتب الشعر الحماسي الذي يدعو فيه شعبه إلى الجهاد من أجل نيل ‏حقوقه الوطنية وقال في إحدى قصائده:‏

إن الألى سلبوا الحقوق لئامُ ‏.. واغْصِبْ حُقوقَك قَطُّ لا تَسْتَجْدِها

قَدْ سـَارَها مِنْ قَبْلِكَ القَسَّامُ... هذي طَرِيْقُكَ فِي الحَياة فلا تَحِدْ

وبعد أن خمدت ثورة فلسطين طاردته قوات الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية، فهاجر ‏إلى العراق ومكث هناك ثلاث سنوات عمل خلالها مدرسا للغة العربية، والتحق بالكلية ‏الحربية ببغداد، وتخرج برتبة ملازم، وشارك مع المجاهدين العرب في ثورة الكيلاني في ‏العراق ضد الاستعمار البريطاني.‏

وبعد أن هدأت الأوضاع في فلسطين لانشغال بريطانيا بالحرب العالمية الثانية عاد عبد الرحيم ‏محمود إلى بلاده واستأنف عمله معلما بمدرسة النجاح الوطنية.‏

وبعد صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947 اشتعلت الثورة الفلسطينية مجدداً، فقرر ‏شاعرنا أن يواصل كفاحه من أجل تحرير وطنه، فتوجه إلى بيروت، ثم إلى الشام ليتلقى ‏تدريبات عسكرية على القتال وانضم إلى جيش الانقاذ، ودخل إلى منطقة بلعا بفلسطين ‏واشترك في معركة بيار عدس مع سرِية من فوج حطين، وشارك في عدة معارك منها معركة ‏رأس العين ومعركة بيار عدس، وفي إبريل 1948 عين آمراً للانضباط في منطقة طولكرم، ثم ‏مساعداً لآمر الفوج في الناصرة.‏

واستشهد شاعرنا بعد أن قاتل ببسالة في معركة الشجرة 13 يوليو 1948 حيث أصابته ‏قذيفة في عنقه، وكان يردد وهو محمول على أكتاف رفاقه

كتب شاعرنا بقلمه الثائر عشرات القصائد الوطنية كتبها بين عامي 1935-1948 جمعتها ‏لجنة من الأدباء بعد استشهاده بعشر سنوات وصدر ديوانه في عمان عام 1958 ويضم 27 ‏قصيدة من أهم ما كتبه في عمره القصير المليء بالكفاح والنضال، ويحفظ عشرات الآلاف من ‏الفلسطينيين والعرب شعره الذي يتمتع بنظرة ثاقبة لمستقبل فلسطين الأليم الذي تحقق ‏بعد استشهاده.‏

 

 

أُريــــــــــــدُ فـــَـــــــــرَح

للكاتبة- دولت المصري‎ 

وقفت سيارة الأجرة التي تقلّني أمام روضة للأطفال ,نادى السائق على المشرفة قائلا‎ "‎أريد الطفلة فرح‎" 

خرجت فرح بزيّها الجميل راكضة ..عصفورة أفلتت من القفص, ملامحها بشوشة وعيناها ‏نجمتين مشعتين براءة, فتحت الباب بلهفة ما لبثت أن اختفت حين وجدت أناس في السيارة ‏‏..جلست.. ليدخل الصمت إلى وجهها محولا إياه إلى أيقونة فيها الكثير من التفاصيل ولكنها ‏باردة . استدارت نحو النافذة مستبدلة بشاشتها وبسمتها بالخجل ..وقد وارت وجهها عمن ‏حولها بإصرار, كانت تراقب الطريق .. تعدّ الأشجار.. تتمتم بألوان السيارات.. تهمس في ‏أذن النافذة عن يومها الحافل و تنفخ على زجاجها لتكتب أحرفها الأولى المرتبكة‎. 

شهقت روحي واضطربت.. حزن توغل داخلي.. فقدت السيطرة على مشاعري وتسللت ‏الشفقة إلى قلبي طاردة دموعي رغماٌ عني أمام الوجه المنغولي الصغير.. ارتعشت يداي ‏أمام كفّها المجعدة إثر حروق صعبة وقد فقدت أحد أصابعها, وما كنت لأغفر للسائق برودته ‏في مقابلتها, ولم تكن فرح لتلتفت إلا لتسترق النظر نحو الغرباء المكدسين على المقعد ‏العريض, ثم تعود لتلصق جسدها اللين إلى الباب تستنجد به من نظراتنا المريضة , وفي ‏آخر التفاتة ..لمحت الطفلة دمعتي .. أصابها الجمود ..حدقت فيّ لثواني ظننتها طويلة ‏‏..فابتسمت, تجاوزَتْ الزمن.. كسرَتْ كل حواجز الصمت.. تحولَت إلى ساحرة طيبة ‏بقدرات خارقة.. مدّت يدها إليّ أمسكتني ..وقفزت في الهواء كدوري وجد بوابة الكون.. ‏طارت بي متشبثة بكتف الريح قطارا سريع بلا سكة .. لتجعلني أتحرر من العالم الأرضي ‏المقيت ..أوصلتني إلى مناطيد الغيم المنتفخة بطعم السكاكر اللذيذة ..أكلنا حتى التخمة, ‏قفزنا على ندف القطن الكبيرة وعدونا من جديد نتسابق مع الطائرات.. تدلينا مع خيوط ‏الشمس في غابات السماء الرحبة ..تأرجحنا في جوف الفضاء نحبس أنفاسنا ونتدحرج على ‏ألوان قوس قزح المخبئ في سحابة مارة ..نصبح كل الألوان والفصول بآن واحد , نجمع ‏ضحكاتنا في فقاعات صابون ونوزعها على وجه البسيطة .. ليمسكها أطفال آخرون ‏يصابون بنوبة فرح حين تفرقع بدلع , نضحك ..نمرح .. تجرّني إلى بيتها السرّي في حبة ‏عنب .. بيت مكتظ بالدمى ..و الخربشات وقبل أن أسأل لماذا حبة العنب بالذات.. همست‎ ‎‎:

‎- ‎أنا أحب عناقيد العنب ..وأحب أن أتدلى مثلها على العرائش الجميلة ..تعالي سنشرب ‏كوبا من حليبها الطازج.‏‎ 

أبتهج حتى النخاخ ..أحس بنخزات في صدري الذي لم يحتمل تدفق المشاعر الرائعة أصرخ ‏وصدى كلماتي يعود راقصا‎ :

‎- ‎الكون واسع وجميل‎ ..! 

‎- ‎هذه جملة اسمية مكونة من مبتدأ و خبر‎ . 

ترد الطفلة ..وتعاود الضحك بدلال‎ .

يكبلني درس النحو .. تنزل الساحرة ..تتركني معلقة بين السماء والأرض تعود إلى نافذتها ‏الوحيدة وهي تطوي بساط الطريق , وفجأة تعلن اكتشاف عينيها لبائع متجول‎ :

‎- ‎أبي أريد غزل البنات‎ .

يتمتم السائق بلعنات ..تلوث مسامعي ..تتردد كلمة أبي كأفعى تخنقني ..فتتكسر كل ‏الأجنحة التي أملك ..أهبط على المقعد ..ألهث وقد أتعبتني المسافات .. وأتعبني الركض ‏وراء فرح , تنتهي رحلتي ..أطلب التوقف مودعة لحظات المغامرة المثيرة أهمس لها‎ :

‎- ‎أرجو أن تأخذي والدك في رحلة إلى عالمك الجميل‎ .

أغمزها وأمدّ يدي أحضن يدها وقد شفيت من كل الجراح ..ووجهها لم يعد إلا وجها طفوليا ‏جميل .. أشكرها على المغامرة الأولى ..أردد ترنيمة حفظتها عن ظهر قلب (أريد فرح ‏‏)..وأغادر‏‎.‎

 

 

 

اقرأ أيضا

اشتراك

تواصل

جميع الحقوق محفوظة @ وزارة الإعلام الفلسطينية 2014

متابعة وتطوير وحدة تكنولوجيا المعلومات